الحكومة الفيدرالية تتخيّل كندا 2040: هل يتوقف «السلّم الاجتماعي» عن الصعود؟
موجز استشرافي صادر عن «آفاق السياسات الكندية» يرسم صورة لكندا عام 2040 يصبح فيها تحسين مستوى المعيشة أمراً نادراً، ويزداد فيها الخوف من الانزلاق إلى أسفل.
نشرت هيئة «آفاق السياسات الكندية» (Policy Horizons Canada)، التابعة للحكومة الفيدرالية، في يناير 2025 موجزاً استشرافياً بعنوان «حياة مستقبلية: الحراك الاجتماعي موضع تساؤل» (Future Lives: Social Mobility in Question).
ما الفكرة الأساسية؟
يذكّر الموجز بأن الحراك الاجتماعي — أي قدرة الإنسان على تحسين وضعه المعيشي — هو «في قلب المشروع الكندي». فكثير من الناس في كندا يفترضون أن «اتباع القواعد» و«فعل الصواب» سيقودان حتماً إلى حياة أفضل: أن يتعلم المرء ويجتهد ويشتري عقاراً ويصعد السلّم الاقتصادي والاجتماعي. وهذا وعد غير مكتوب لكنه قوي.
لكن الأمور تتغير: عدم المساواة في الثروة يتزايد، والأبناء أصبحوا بالفعل أقل صعوداً اجتماعياً من آبائهم. ويشير الموجز إلى أن تقرير «Disruptions on the Horizons 2024» رجّح أن يصبح الهبوط الاجتماعي هو القاعدة مستقبلاً.
ما هو سيناريو 2040؟
في سيناريو 2040 يكاد الصعود الاجتماعي يكون غير مسموع به في كندا. لا يكاد أحد يعتقد أنه قادر على بناء حياة أفضل لنفسه أو لأبنائه بجهده، بينما يقلق كثيرون من الانزلاق إلى مرتبة أدنى. ويؤكد الموجز أن هذا ليس المستقبل المرغوب ولا المفضّل، لكنه «محتمل» بحسب الاستشراف الاستراتيجي.
ست تغيّرات رئيسية في سيناريو 2040
- التعليم بعد الثانوي: لم يعد طريقاً موثوقاً للصعود؛ فتكاليف الدراسة والسكن تُقصي غير الأثرياء، وطول البرامج يعني كلفة فرصة كبيرة، وقلّة من الشباب تختاره.
- السكن: تملّك المنزل لم يعد هدفاً واقعياً للكثيرين؛ يعتمد معظم المشترين الجدد على مساعدة العائلة، وتنتشر الرهون العقارية بين الأجيال وعيش عدة أجيال تحت سقف واحد.
- الثروة المتوارثة: يُنظر إلى الميراث بوصفه الطريق الوحيد الموثوق للتقدم، ويشبه المجتمع «أرستقراطية» تنتقل فيها الثروة والمكانة عبر الأجيال.
- العزلة الاجتماعية: قلّما يختلط الناس بمن يخالفهم في المستوى الاقتصادي، فتقل فرص العلاقات والوظائف والشراكات التي تدعم الصعود.
- الطموح والتوقعات: يتعارض طموح الشباب بالصعود مع توقعهم الجمود، ما يولّد إحباطاً ولامبالاة.
- الذكاء الاصطناعي: تراجعت قيمة العمل البشري، ويعتمد أغلب الناس على الأعمال المؤقتة والجانبية، وأفضل المساعدات الذكية مرتفعة الثمن فتعمّق الفجوات.
مثال توضيحي: عائلة مهاجرة وصلت إلى كندا اليوم: الأب مهندس يعمل سائقاً، والأم تدرس لمعادلة شهادتها، على أمل أن يعيش الأبناء حياة أفضل. في سيناريو 2040، قد يتخرّج الابن من الجامعة مثقلاً بالديون، ويعجز عن شراء مسكن، ويكسب أقل مما كسبه والداه بعد حساب غلاء المعيشة — فيتحوّل «الحلم الكندي» من صعود مضمون إلى محاولة للحفاظ على الموقع فقط. (المثال من تأليفنا للتوضيح وليس من الوثيقة.)
ما التبعات على السياسات العامة؟
يعرض الموجز خمسة مجالات قد تتأثر، ويؤكد أن القائمة ليست شاملة وهدفها توسيع تفكير صانعي القرار
- الاقتصاد: قد يتركز رأس المال بيد قلّة من كبار السن الأثرياء، وقد تقوى النقابات وتكثر الإضرابات، ويتركز تملك العقار أكثر، وقد ينكمش الاستهلاك.
- الصحة النفسية: ضغط الإيجارات والفواتير والغذاء قد يزيد الحاجة للخدمات الاجتماعية، وقد تنتشر اللامبالاة ويقل التطوع، وقد يعيد بعض الناس تعريف النجاح نحو المعنى والسعادة.
- هجرة العمال: قد تصبح كندا وجهة أقل جاذبية للمهاجرين، وقد يغادرها شباب ومهاجرون جدد، ما يصعّب تمويل أنظمة دعم كبار السن ويخلق نقصاً في قطاعات مثل الرعاية والزراعة والبناء.
- تلبية الحاجات الأساسية بطرق بديلة: انتشار التعاونيات للسكن والغذاء ورعاية الأطفال والصحة، وتبادل السلع والخدمات بين الأفراد، وتراجع ثقة بعض الناس بجدوى الحكومات.
- التعليم العالي: قد يصبح «أصلاً متعثراً» إذا تراجع الإقبال، ويتجه الناس إلى مزودي تدريب بديلين، وتتغير دوافع الدراسة نحو الإشباع الشخصي بدل زيادة الدخل.
وقد يرفض بعض الناس الأنظمة التي يرون أنها خذلتهم، فيلومون الذكاء الاصطناعي أو الشركات الكبرى أو الدولة أو أصحاب رؤوس الأموال، وقد يلوم آخرون المهاجرين أو فئة بعينها؛ ويحذّر الموجز من أن هذا التحميل الجماعي للّوم قد يولّد صراعات اجتماعية وسياسية خطيرة.
ماذا يختم به الموجز؟
يخلص الموجز إلى أن تراجع الحراك الاجتماعي قد يخلق تحديات جدية للمواطنين وصانعي السياسات، وأن ما يؤمن به الناس يهم بقدر الواقع نفسه؛ فأغلب الكنديين ما زالوا يعتقدون بتكافؤ الفرص، وقد يتغير ذلك. وقد يفقد الناس إيمانهم بـ«المشروع الكندي». لكن فقدان الإيمان بالصعود قد يفتح أيضاً مجالاً لأفكار إيجابية، كإعادة التفكير في معنى «الازدهار» و«الإنجاز» ورفض الاستهلاك المظهري.
لماذا يهمّنا هذا؟
الموجز ليس توقعاً مؤكداً بل أداة تفكير تساعد صانعي القرار على الاستعداد. لكنه يمسّ الجاليات العربية والمسلمة مباشرة، لأن الهجرة نفسها قائمة على وعد الحراك الاجتماعي. لذلك تبرز أهمية المشاركة المدنية والانتخابية، ومتابعة سياسات السكن والتعليم والاعتراف بالشهادات وسوق العمل.
المصادر
- النسخة الإلكترونية الكاملة (Policy Horizons Canada): https://horizons.service.canada.ca/en/2025/01/10/future-lives-social-mobility/index.shtml
- نسخة PDF (Government of Canada Publications – PH4-207/2025E-PDF): https://publications.gc.ca/site/eng/9.946120/publication.html
